- الذين وصموا المفكر مراد وهبة بالصهيونية وتأييد الإبادة الجماعية في غزة، ألا يتوجب عليهم الاحتفاء بعبد الناصر المقاوم للاستعمار والصهيونية؟
- الشيزوفرينيا الحادة.. مرض لم يصب يمني طريف وكاظم فقط. ابن الأجير والعربجي والمطحونون الذين عمل ناصر من أجلهم أصابتهم اللعنة نفسها!
- قناة السويس أممها عبد الناصر.. اليوم هي أهم شريان يضخ عملة أجنبية نقصها الشديد ينذر بمخاطر فادحة.
- شيد ناصر السد العالي.. انظروا لمصر على ضوء كارثة السد الآثيوبي وتخيلوا عدم وجوده! كل معتدي على تراث عبد الناصر عليه ان يتوقف ويتأمل قبل أن يهاجم ويندد.
- صافي ناز بلغت من العمر ما يفترض أن يجعلها أكثر حكمة، مازالت بنفس رعونة وحدة البدايات! علمت قلمها أن يقطر عنفًا وسخرية واستهزاء! وجه آخر لأسلوب المعارضة بالبذاءة!
في قريتي مسقط رأسي (طحانوب مركز شبين القناطر محافظة القليوبية) أقام شباب وشيوخ من أجيال السبعينيات بجهودهم الذاتية، تمثالًا للزعيم الخالد جمال عبد الناصر. في ما تلى ذلك من أعوام كنت احيانًا أواصل نفس حفاوتهم وتخليدهم للزعيم بطريقة أخرى، أذكر أنني كنت أدفع - وبعض أصدقائي - قروشًا قليلة من مصروفنا الشخصي لتجديد وإعادة طلاء التمثال. وفي سنوات تالية ومع الإنشغال بالحياة وأعبائها، كان هناك دائمًا من يواصل النهج ويقوم بنفس العمل، وحتى الآن. التمثال رغم محاولات التعدي عليه من الغوغاء والعامة يحظى برعاية أهل القرية، وتجرى حاليًا عملية إعادة تجديد المنطقة المحيطة بالتمثال، فضلا عن إعادة ترميمه وطلائه. طحانوب ليست مجرد بلدة صغيرة وإنما لها تاريخ، وهذا التاريخ مرتبط بالتحرر من الإقطاع وهذا هو سر احترام الناس وتقديرهم ومحبتهم لعبد الناصر.
مازالت طحانوب - وآلاف القرى والمدن والبلدان على اتساع الأرض وفوقها ملايين من البشر - تكرم جمالَ. في مقابل أصوات كثيرة ترى أنه سلم البلد مهزومة! حتى لو شبع الناس من الحديث عن جمال وعن حياته وعن إنجازاته وعن اخطائه، فهذا لا يثنيني عن الاحتفاء به دائما وأبدًا! هذا ليس تقديرًا فقط للرجل ولكن مصر كلها تحتاج إلى ذلك. ما أحوج الناس اليوم للتخلص من هذه الشيزوفرينيا التي تدمر عقولهم وتنسف أرواحهم نسفا!
السيدة الدكتورة يمني طريف الخولى تلميذة الدكتور مراد وهبة التي نَعَتْهُ بفجاجة شديدة وهجوم شديد عليه، ووصفته بأنه صهيوني الهوى، و لم يندد بحرب الأبادة التي تعرض لها الفلسطينيون، وشايعتها صافي ناز كاظم - الكاتبة والناقدة الأدبية - ونجلتها نوارة احمد فؤاد نجم، كلهم هاجموا مراد وهبة ونعتوه بنفس الأوصاف! لم نقرأ لأي منهن يومًا نعيًا ولا رثاء لجمال عبد الناصر، الذي كان شوكة في حلق اسرائيل والصهيونية العالمية، وأميركا الاستعمارية والغرب المتآمر كله على مصر الناصرية في ذلك الزمان!
كنت افهم أنهم في المقابل إذا أدانوا المفكر مراد وهبة ووصموه بالصهيونية أن يحتفوا بالرجل الذي قاوم الاستعمار والصهيونية، وجعل من مصر حائطًا صلبًا ضد هذا التوحش والإجرام الذي مارسه العدو الصهيوني، حتى أنه قاد إنجلترا وفرنسا لعدوان ثلاثي على مصر عام ٥٦.. ثم أحكم قبضته على أميركا إحكامًا تاما، حتى أنها زوّدته بأعتى وأحدث الأسلحة والمعدات لشن هجوم كاسح على مصر في يونيو ٦٧. كم من الخطط الفاشلة والناجحة وضعت للتخلص من عبد الناصر. الحلم الأمريكوصهيوني كان وما يزال: مفيش عبد الناصر تاني. ذكرت في مقال سابق أن صحف أوروبا وأميركا عنونت بمانشيتات نقلا عن كبار المسئولين الأوروبيين تؤكد هذا المبدأ: No Naser Again .
الذين يهاجمون مراد وهبة المتهم بالتصهين وممالأة العدوان الصهيوني على غزة وربما تأييده، لم ينصفوا الرجل الذي غرس في المصريين والعرب كراهية الاستعمار والصهيونية وندد بهم وهاجمهم وحاربهم وتصدى لهم! بل إنك كلما التقيت صافي ناز كاظم تجدها تهاجم عبد الناصر لأنه أعدم سيد قطب وإذا لم تقبل منها وصفه بـ"الشهيد" تدب حريقة في الجلسة! ولا تنسى أن تبكي على عمال كفر الدوار خميس والبقري، ولا يفوتها أبدًا استذكار زينب الغزالي وحكاية تعذيبها الأسطورية في السجون الناصرية! والسؤال الذي يطرح نفسه هنا - أو الأسئلة - هي: هل في مقام الموت الجليل يمكن نعي رجل مثل مراد وهبة بمثل ما كتبت تلميذته التي ليست نجيبة، فعلى الرغم من أنها بينت أفضال أستاذها وثنائه عليها، كتبت عن صهينته ونددت به، وكأن مقام الموت ليس له جلال! كان ممكنًا - بل واجبًا - وصافي ناز المؤيدة لها - أن تنتظرا بضعة آيام ثم تتحفانا بدراسة متكاملة حول فكرتهما عن أستاذ "يمنى" الصهيوني الداعم لحرب الإبادة في غزة من منظور رفض الإرهاب! لو حدث لكان هذا مطلوبا ومقبولا، في كل الأحوال كل إنسان حر شريف لابد أن يقف مع الشعب الفلسطيني ومع المقاومة الباسلة للعدو.
أما السيدة صافي ناز وقد بلغت من العمر ما يفترض أن يجعلها أكثر حكمة، فمازالت بنفس رعونة البدايات وبنفس الحدة التي تتعامل بها مع الناس ومع القضايا! لم تتعلم الحكمة وغيبتها عن قاموسها وعن قلمها الذي يقطر عنفًا وسخرية واستهزاء! وجه آخر لأسلوب المعارضة بالبذاءة، السائد بعد ثورة يناير، وإن كانت صافي لا تصوب بكلمات بذيئة وإنما تطلق مدفعية ثقيلة على شكل كلمات!
هذه الشيزوفرينيا الحادة ليست لدى الأستاذة الأكاديمية يمني الخولي فقط ولا عند صافي ناز كاظم فقط، وانما أصادفها في كل مكان! على مصطبة.. على مقهي.. في ندوة سياسية.. في لجنة نقابية.. حتى في المطار حيث ابن الأجير الغلبان عائد من السعودية سعيدًا بما ادخره من ريالات ستتيح له الزواج وشراء أرض يبني عليها بيتا ويزوج أولاده أيضًا! هذا الرجل ابن الأجير الذي تملك أبوه خمسة فدادين غيرت حياته، فأصبح مالكا وتحول من أُجَري إلى مالك، استطاع أن يلحق أولاده بالمدارس والجامعات، حتى الأكثر تحقيقًا للسلطة والنفوذ والثروة (الكليات العسكرية والشرطية) أصبح ابنه العائد من السعودية متناقضا مع طبقته ومتعاليًا عليها وناقما على من نقلها هذه النقلة الكبري، فإذا عبد الناصر في نظره - المعتم للأسف - رجلًا مهزومًا بدلًا من فهم حقيقته كرجل مقاوم، ورئيس ديكتاتور حكم بالحديد والنار، وليس ذلك الزعيم الذي انتصر للغلابة والفقراء ورفض طيلة حياته رفع أسعار أي أغذية أو منتجات تؤثر على معيشة غالبية المصريين! نسي هذا الشخص - وغيره كثيرون من عينته ومن طبقته!- أن عبد الناصر هو الذي وضع مبدأ مجانية التعليم موضع التنفيذ، وهو الذي قام بتمصير الاقتصاد وكان كله مملوكا للأجانب وهو من أدخل الكهرباء إلى القري، ومن افتتح مئات المستشفيات والمستوصفات العلاج فيها بالمجان وشيد ألاف المدارس والمصانع والشقق السكنية. هو من جعل قناة السويس مصرية، لتكون حتى اليوم أهم شريان يضخ عملة صعبة في البلاد، وهو من شيد السد العالي، وعلى كل معتدي على تراث عبد الناصر أن يتوقف اليوم فقط عند هذا السد ليتخيل ماذا كانت مصر ستفعل في غيابه، في ظل ماجرى من أثيوبيا بعد بناء السد الذي يهددنا بفقدان مواردنا المائية الأساسية من مياه نهر النيل والمقررة تاريخيا باتفاقيات ملزمة!
الطبقات المستفيدة من عبد الناصر لا تدافع عن ناصر ومنجزاته، مع أنه دفاع عنها وعن حياتها بالأساس، وهذا في تقديري خيانة مصرية بامتياز، أو في أسوأ الفروض نوع من الجهل والعته وعمي الأبصار وإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور! رجل انتصر لحياتي وأصبحت مدينا بفضل له في تغييرها، أهيل على تاريخه التراب ، لمجرد أن الألة الحربية الأعلامية عملت غسيل مخ للمجتمع، فأظهرته شيطانا يجب الاستعاذة منه!
سنوات مجد هذا الشعب والأمة العربية كانت سنوات عبد الناصر، تبلورت فيها أفكار عدم الانحياز ورفض الأحلاف العسكرية ومقاومة الاستعمار والصهيونية، وتمصير الاقتصاد وضرب الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.. ولكنك تجد أبناء الطبقات المستفيدة منه يحنون لأيام الحفاء.. وأيام الملكية!
غريبة جدًا .. هل كان الفقراء في مصر قبل الثورة يلبسون الملابس من كريستيان ديور؟ هل استبدلوا السلمون المدخن والاستاكوزا والسيمون فيميه الملكي ب"المش أبودوده" في العصر الناصري؟ هل كان الحفاء فريضة ملكية.. لذلك فضّلوها على صنادل بلاستيك وكاوتش باتا الأبيض صنع شركة باتا المصرية المعروفة!
ربما كان الحفاء الملكي فعلا أفضل من كوتشي باتا الناصري؟
------------------------------
بقلم: محمود الشربيني






